في 14 يوليو 2025، ابتداءً من الساعة 7:30 مساءً، تحولت غابة الصنوبر الشهيرة «بينيد غولد» في خوان-ليه-بان إلى مسرح موسيقي مفتوح في الهواء الطلق، احتضن أمسية استثنائية جديدة ضمن فعاليات مهرجان جاز آ جوان المرموق. وفي أجواء جمعت بين الأناقة والاحتفال والعمق الفني، أثبت هذا التاريخ الرمزي لليوم الوطني الفرنسي مرة أخرى لماذا يظل هذا المهرجان مرجعًا عالميًا في المشهد الموسيقي الدولي.
وقد حظينا بامتياز عيش هذه الأمسية عن قرب، في قلب الحدث، حيث التقت رؤى فنانين مبدعين مع جمهور شغوف وإرث ثقافي فريد.
مؤسسة وُلدت من أسطورة
تأسس مهرجان «جاز آ جوان» عام 1960 تكريمًا لعازف الكلارينيت سيدني بيشيه، وهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الريفييرا الفرنسية، تلك الأرض التي لطالما احتضنت الفنانين وشكّلت فضاءً لحرية الإبداع. ومنذ انطلاقته، فرض المهرجان نفسه كحدث رائد، كونه أول مهرجان جاز في الهواء الطلق في أوروبا.
وسرعان ما استقبلت خشبة «بينيد غولد» أعظم أسماء الجاز في العالم، مثل مايلز ديفيس، ديوك إلينغتون، إيلا فيتزجيرالد، راي تشارلز، ديزي غيليسبي وجون كولترين. وقد ساهمت هذه الأسماء الأسطورية في تشكيل هوية المهرجان، وجعلت من خوان-ليه-بان وجهة لا غنى عنها لعشاق الجاز من مختلف أنحاء العالم.
غير أن المهرجان لم يكتفِ بالاحتفاء بالماضي، بل واصل عبر العقود تطوره، منفتحًا على تأثيرات جديدة ومواكبًا لتحولات موسيقى الجاز، من البيبوب إلى الأشكال المعاصرة، مرورًا بجاز الفيوجن وموسيقى العالم وحتى التجارب الإلكترونية.
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على تأسيسه، يواصل المهرجان تجسيد هذا التوازن الدقيق بين الذاكرة والتجديد، بين احترام الجذور واستكشاف آفاق صوتية جديدة.
«بينيد غولد»: فضاء فريد من نوعه في العالم
ما يميز مهرجان «جاز آ جوان» عن العديد من المهرجانات العالمية هو موقعه الاستثنائي. فهذه الغابة الواقعة بين أشجار الصنوبر العتيقة والبحر الأبيض المتوسط توفر أجواءً صوتية طبيعية وتجربة لا مثيل لها.
مع حلول الليل، تمتزج الأضواء بظلال الأشجار، بينما تتردد أولى النغمات في نسيم البحر. ويعيش الجمهور، المكوّن من خبراء ومحترفين وعشاق موسيقى متمرسين، كل عرض في قرب نادر من الفنانين.
هذا المكان الأسطوري يحول كل حفل إلى تجربة حسية متكاملة، حيث لا تُسمع الموسيقى فحسب، بل تُعاش بكل تفاصيلها.
برنامج 2025: نحو كتابة جديدة للجاز
في هذه الأمسية الخاصة بيوم 14 يوليو 2025، اختار المهرجان برنامجًا معاصرًا بامتياز، مسلطًا الضوء على فنانين يعيدون تعريف ملامح الجاز الحديث. بعيدًا عن القوالب التقليدية، يعكس هذا البرنامج جيلاً جديدًا من الموسيقيين الذين يستكشفون عوالم هجينة ومبتكرة.
وقد تعاقبت على المسرح ثلاثة عوالم موسيقية متميزة: Zhitong Xu – X-Shape، وMarion Rampal، وMacha Gharibian.
Zhitong Xu – X-Shape: الجاز كمختبر صوتي
افتُتحت الأمسية بعرض جريء قاده عازف الطبول والمؤلف Zhitong Xu، أحد أبرز الأسماء الصاعدة على الساحة الدولية. ومن خلال مشروعه X-Shape، يقدم رؤية للجاز كمساحة للبحث والتجريب.
تتسم موسيقاه بطابع معماري، حيث تُبنى كل مقطوعة كهيكل متحرك يجمع بين الارتجال والتراكيب الصوتية والإيقاعات المعقدة. متأثرًا بالمشاهد الموسيقية الأوروبية والآسيوية، يطوّر لغة موسيقية عابرة للحدود الثقافية، لصالح تعبير عالمي.
وعلى المسرح، تفرض الطاقة الجماعية للفرقة حضورها بقوة، حيث تخلق الحوارات بين الآلات والتغيرات الإيقاعية تصاعدًا دراميًا وتجربة غامرة، قد تبدو أحيانًا مفاجئة، لكنها تظل آسرة.
Marion Rampal: أناقة وعمق الغناء الجازي
يتغير الإيقاع مع صعود Marion Rampal إلى المسرح، حيث تضفي حضورًا حميميًا وتأمليًا على الأمسية. بصوتها الرقيق والمعبر، تنقل الجمهور إلى عالم يجمع بين الشعر والسرد والمشاعر.
تُعد من أبرز الأصوات في الجاز الفرنسي المعاصر، وقد حازت على جوائز مرموقة، ما يؤكد مكانتها الفنية. يتميز عملها بمقاربة تجمع بين الأدب والموسيقى، حيث تتحول كل أغنية إلى قصة.
تستلهم من البلوز والتقاليد الإفريقية-الأمريكية والأغنية الفرنسية، لتقدم كتابة حساسة وعميقة. وعلى المسرح، تلعب بالصمت والتدرجات الصوتية، ما يخلق علاقة قريبة جدًا مع الجمهور.
Macha Gharibian: هوية موسيقية بلا حدود
اختُتمت الأمسية مع Macha Gharibian، التي تجسد بانفرادها الانفتاح الثقافي للجاز المعاصر. فهي عازفة بيانو ومغنية ومؤلفة تقدم موسيقى هجينة تجمع بين عدة أنماط.
تستمد هويتها الفنية من أصولها الأرمنية ومسيرتها الباريسية وتجربتها في نيويورك، وهو ما ينعكس في أعمالها التي تمزج بين الجاز وموسيقى العالم والبوب والتأثيرات الكلاسيكية.
على المسرح، تقدم طاقة فريدة، تتنقل بين اللحظات الهادئة والذروة العاطفية، لتلامس الجمهور بصدقها وقدرتها على تجاوز الحدود الموسيقية.
ومن خلال أعمال مثل Phenomenal Women، تعكس التزامًا فنيًا يسلط الضوء على دور المرأة ورؤية معاصرة للفن.
أمسية بين الإحساس والحداثة
تركت هذه الأمسية من 14 يوليو 2025 أثرًا عميقًا بفضل انسجامها الفني وقدرتها على تقديم رؤية حديثة للجاز. بعيدًا عن الصور النمطية، أبرزت جيلاً جديدًا من الفنانين يحمل رؤية منفتحة ومتعددة الأبعاد للموسيقى.
بين التجريب والشاعرية والتنوع الثقافي، خاض الجمهور رحلة موسيقية حقيقية، تؤكد قدرة المهرجان على التجدد دون التخلي عن هويته.
تغطية إعلامية من قلب الحدث
بفضل هذه الدعوة الصحفية، تمكن فريقنا التحريري من عيش التجربة عن قرب، إلى جانب الفنانين والمنظمين. هذه التجربة الغامرة تكشف عن غنى هذا الحدث الذي يتجاوز كونه سلسلة حفلات، ليصبح منظومة ثقافية متكاملة.
«جاز آ جوان»: مرجع لا يزول
بعد أكثر من 60 عامًا على تأسيسه، يظل مهرجان «جاز آ جوان» مؤسسة لا غنى عنها. قدرته على الجمع بين أساطير الجاز ومنح الفرصة للمواهب الصاعدة تجعله حدثًا فريدًا من نوعه.
وقد جسدت أمسية 14 يوليو 2025 هذا التوازن المثالي، حيث التقت التقاليد بالحداثة في إطار استثنائي.
في خوان-ليه-بان، لا تُعزف موسيقى الجاز فقط، بل تُعاش وتُشارك وتُعاد صياغتها عامًا بعد عام.
نسخة 2025 غنية ومتنوعة على مدار عشرة أيام
تُقام حاليًا دورة 2025 من مهرجان «جاز آ جوان» في الفترة الممتدة من 10 إلى 20 يوليو 2025، مؤكدةً مرة أخرى طموحها في تقديم برنامج يجمع بين المكانة المرموقة والانفتاح على المشاهد الفنية الجديدة. ومع وجودنا في قلب فعاليات المهرجان في هذا اليوم، 14 يوليو، شهدت «بينيد غولد» بالفعل عدة أمسيات مميزة. فقد استمتع الجمهور بعروض ديان ريفز وجيمي كولوم في 11 يوليو، تلاها حفل آيو وبن هاربر وفرقته The Innocent Criminals في 12 يوليو.
وخلال الأيام المقبلة، يعد البرنامج بمزيد من اللحظات الاستثنائية، مع ترقب عروض ميشيل نديجيوتشيلو وغريغوري بورتر في 16 يوليو، يليهما كارين غيوك تورام وإبراهيم معلوف في 17 يوليو. وسيبلغ المهرجان إحدى ذرواته المنتظرة مع حضور الأسطورة هيربي هانكوك في 19 يوليو.
هذا التنوع الفني يجسد تمامًا هوية مهرجان «جاز آ جوان»، حيث يجمع بين أساطير عالمية وأسماء بارزة وأصوات صاعدة في عالم الجاز المعاصر، ضمن رؤية تجمع بين الحداثة والطابع الخالد.
