« ألفا » – العودة الجريئة والمؤثرة لجوليا دوكورنو في مهرجان كان 2025

كان فيلم ألفا من بين أبرز الأفلام التي حظيت بالاهتمام خلال النسخة الثامنة والسبعين لمهرجان كان السينمائي. الفيلم الجديد للمخرجة الفرنسية المرموقة جوليا دوكورنو جاء بعد فوزها التاريخي بجائزة السعفة الذهبية في عام 2021 عن فيلم تيتان، ليقدم تجربة سينمائية تستمر في استكشاف الهوية والخوف والتحولات الإنسانية، لكن مع عمق نفسي ورمزي أكبر. وقد تم اختيار ألفا ضمن المسابقة الرسمية، مما يؤكد تأثير دوكورنو المستمر على السينما العالمية المعاصرة.

قصة متجذرة في الخوف والواقع الاجتماعي

يحكي فيلم ألفا قصة فتاة تبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، تواجه الخوف والنبذ الاجتماعي بعد اختيارها الحصول على وشم. تدور أحداث الفيلم في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وهي فترة شهدت انتشار وباء الإيدز، ويستخدم الفيلم هذه الحقبة التاريخية كرمزية لكيفية استجابة المجتمعات للمجهول.

أوضحت دوكورنو في مقابلات صحفية أن ألفا يهدف إلى دراسة ليس فقط الصدمات الفردية، بل القلق الجماعي – كيف يتغذى الخوف على نفسه، ويشكل السرديات، ويعزل الأفراد في عالم سريع الحكم وبطيء الفهم.

بدلاً من تقديم الخوف كأداة رعب مباشرة، يستخدم الفيلم الخوف كعدسة لفهم التوترات الاجتماعية الأوسع، ما يمنح الفيلم وزنًا عاطفيًا عميقًا: فهو رحلة شخصية تتحول إلى تعليق على كيفية تشظي المجتمع وفقدان التعاطف بسبب الخوف.

أداء فني يثري الفيلم

يتميز طاقم عمل ألفا بعمق استثنائي. تؤدي ميليسا بوروس دور البطولة بأداء يوازن بين ضعف الفتاة ومرونتها الصامتة، مما يجعل المشاهد يتعاطف مع صراعاتها الداخلية وقوتها الهادئة.

تأتي غولشيفته فرهاني في دور الأم – طبيبة تواجه القلق بين واجبها المهني وخوفها الشخصي – لتضيف ثقلًا عاطفيًا قويًا للفيلم. أداء فرهاني يوازن بين الرمزية والمشاهد الإنسانية، ويظهر الصراع الذي يعيشه الوالد لحماية ابنته في عالم يبدو عدائيًا.

كما يبرز تاهار رحيم في دور العم، وهو شخصية معقدة ممزقة بين الخوف والحماية والحب، ليضيف بعدًا دراميًا عميقًا للفيلم.

الاستقبال الصناعي والنقدي في كان

خلال عرضه في كان، أثار ألفا ردود فعل قوية من النقاد والجمهور والمهنيين. أشاد العديد من المراجعين بالقوة العاطفية والطموح الموضوعي للفيلم، مشيرين إلى تطور لغة دوكورنو السينمائية بعيدًا عن صدمة تيتان الجسدية. وأبرزوا مزيج الفيلم بين التوتر النفسي والسرد الشعري، ووصفوا التجربة بأنها “مؤثرة، مثيرة للتفكير، وإنسانية بعمق”.

بالنسبة للموزعين والمبرمجين والمشترين في السوق، كان ألفا عنوانًا استراتيجياً، إذ يجمع بين الطموح النقدي والقدرة على جذب الجماهير، مما يجعله فيلمًا ذا إمكانيات كبيرة للعرض في الأسواق الدولية والدورات المهرجانية ومنصات البث.

على الرغم من أن ألفا لم يفز بـ السعفة الذهبية، التي منحت في 2025 للفيلم الإيراني حادث بسيط للمخرج جفار بناهي، إلا أن وجوده ضمن المسابقة الرسمية كان مهمًا، ويعكس التزام كان بدعم السينما التي تتناول الواقع الاجتماعي والآفاق العالمية.

البعد الفني والرمزي

من أبرز جوانب ألفا هو كيفية استخدام السرد لدمج الرمزية مع المشهد العاطفي. بدلاً من الاعتماد على الأنماط التقليدية، يكمن قوة الفيلم في تحويل الخوف إلى رمز، ما يجعل القوى غير المرئية التي تشكل سلوكيات المجتمع ملموسة.

تجسد التصوير السينمائي الجذاب، والموسيقى المؤثرة، والتراكيب البصرية الملفتة، التزام دوكورنو بدفع حدود الشكل السينمائي، مما يجعل ألفا تجربة تبقى مع المشاهد طويلًا بعد انتهاء العرض، داعيةً إلى التفكير في الحدود بين الخطر والانتماء والرحمة الإنسانية.

الآثار الصناعية وإمكانات السوق

بعيدًا عن القيمة الفنية، يحمل ألفا أهمية كبيرة لسوق السينما العالمي. عادةً ما تحدد أفلام المسابقة الرسمية في كان توجهات التوزيع خلال العام. يجمع الفيلم بين الضجة النقدية وعمق السرد، ما يجعله جذابًا للدورات المهرجانية الدولية والعروض السينمائية والمنصات الرقمية.

كما يعكس الفيلم اتجاهًا مهمًا في السينما المعاصرة: الطلب على قصص تعالج التعقيد الاجتماعي بطرق مبتكرة وتخطي الأنواع التقليدية، وهو ما يبرزه ألفا بوضوح.

الخاتمة

يعد ألفا من أبرز الأعمال في المسابقة الرسمية لمهرجان كان 2025. يجمع بين السرد متعدد الطبقات، والأداء المتميز، والعمق الرمزي، ليؤكد تطور دوكورنو كصانعة أفلام بارعة، ويبرز دور كان كمسرح لاكتشاف الأعمال السينمائية الجريئة والمؤثرة.

حتى دون الفوز بالجائزة الكبرى، ينجح ألفا في إثارة الحوار، وتحدي المشاهدين، وتثبيت مكانته ضمن السينما العالمية المعاصرة، مؤكداً أن كان يظل نقطة التقاء بين المخاطرة الإبداعية، واستراتيجيات السوق، والحوار الثقافي، مما يشكل مستقبل صناعة السينما عالميًا.

Share Article:

Contributor

Writer & Blogger

Edit Template